الخرافة: الايمان في عصر العلم

المؤلف: روبرت ل. بارك

عدد الصفحات: 290

اللغة: العربية

التصنيف: فلسفة

الوصف:

يطرح كتاب “الخرافة: الإيمان في عصر العلم” لروبرت ل. بارك، ترجمة حيدر عبد الواحد راشد، سؤالًا مركزيًّا: لماذا يواصل البشر التمسّك بالمعتقدات الخرافية والميتافيزيقية في زمن بات فيه المنهج العلمي قادرًا نظريًّا على تفسير معظم الظواهر التي تشغلهم؟ ينطلق بارك من أطروحة مفادها أنّ العلم هو الطريق الموثوق الوحيد للمعرفة، وأنّ ما عداه، عندما يدّعي تفسير العالم والإنسان يتحوّل إلى خرافة. عبر هذه الأطروحة يبني نقدًا واسعًا للبُنى الدينية والروحانية والطب البديل وسائر أشكال التفكير السحري المنتشرة في الثقافة المعاصرة. يقدّم المؤلف قراءة تاريخية وسوسيولوجية لظاهرة الإيمان، مبيّنًا كيف تحوّلت الأديان الكبرى، ثم الحركات الروحانية الجديدة، إلى أنظمة مغلقة تنتج تفسيرات جاهزة للكون والحياة والموت؛ تفسيرات تستمدّ شرعيّتها من السلطة والكشف والوحي، لا من الاختبار التجريبي والتراكم المعرفي. ويرى أنّ هذا النمط من الإيمان يضع نفسه في حالة تنافس مباشر مع العلم عندما يدّعي تفسير نشأة الكون والحياة والإنسان، أو عندما يتدخّل في تفاصيل الصحة والمرض والشفاء. لذلك يركّز في فصول كاملة على نقد الخلقوية ونظريات “التصميم الذكي” التي تحاول تقديم قراءة دينية لأصل الأنواع في ثوب “علمي”، معتبرًا إيّاها نموذجًا صريحًا لـ”العلم الزائف”. في مستوى ثانٍ، يتناول بارك أشكالًا مختلفة من الخرافة الحديثة: الإيمان بالمعجزات العلاجية، والطبّ البديل غير القائم على دليل تجريبي رصين مثل بعض أشكال المعالجات بالطاقة أو الادّعاءات المبالغ فيها حول الوخز بالإبر والمعالجة المثلية، إلى جانب الإيمان بالتنجيم، والتقمّص، وتجارب الخروج من الجسد، واستحضار الأرواح، وغيرها من الظواهر التي تُسوَّق جماهيريًّا بوصفها ممارسات “روحية” أو “طبيعية” لكنها تتحرّك خارج أي معيار علمي للبرهنة والتكذيب. يوضّح المؤلف أن هذه المعتقدات ليست مجرّد نزوات فردية، بل تُستثمر اقتصاديًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا، وتُستغل هشاشة الإنسان وقلقه الوجودي لتحقيق أرباح أو مكاسب نفوذ. يمنح الكتاب حيّزًا مهمًّا لمسألة العلاقة بين العلم والدين. فبارك ينتقد ما يراه “تسويات” شكلية تسعى إلى إعلان الانسجام التام بين الطرفين، معتبرًا أنّ العلم والدين يستندان إلى منطقين معرفيين مختلفين جذريًّا: الأوّل يقوم على الشكّ المنهجي وقابلية التصحيح، والثاني يقوم على التسليم بالسلطة والنصّ المقدّس. وإذ يعترف بأنّ عددًا من العلماء مؤمنون دينيًّا، إلا أنّه يرى أنّ هذا الإيمان يبقى شأنًا شخصيًّا ما دام لا يُستَخدم لتقييد البحث العلمي أو توجيه السياسات العامّة في مجالات التعليم والصحّة والبحث. من هنا يندّد بمحاولات إدخال العقائد الدينية في مناهج العلوم، أو فرض قرارات صحّية قائمة على الصلاة والتعاويذ بدل الأدلّة السريرية والدوائية. على المستوى المنهجي، يجمع بارك بين الأسلوب السردي والتبسيط العلمي والتحليل الفلسفي. يستحضر حوادث واقعية، منها تجربته الشخصية مع الحادث الذي تعرّض له والتدخّل الطبي الذي أنقذ حياته، ليقارن بين فعالية الطب القائم على البرهان وقصور الممارسات الروحية التي تُسقِط على المرض معاني العقاب أو الامتحان الإلهي. ثم يعود ليُفكِّك مفهوم “البرهان” نفسه، موضّحًا أنّ قيمة العلم لا تكمن في امتلاكه الحقيقة المطلقة، بل في قابليّته الدائمة للتصحيح عبر التجربة، وفي اعترافه المبدئي بحدوده ونقاط جهله. في المقابل، تقاوم المنظومات الخرافية أي مراجعة بنيوية، وتلجأ إلى تأويلات مغلقة تُحصّن نفسها ضدّ النقد. يخلص الكتاب إلى أنّ انتشار الخرافة في “عصر العلم” ليس مفارقة قدر ما هو نتيجة لتضافر عوامل نفسية وثقافية وسياسية: خوف الإنسان من الفناء، حاجته إلى المعنى، ضعف الثقافة العلمية، واستغلال القوى الاقتصادية والإعلامية لهذه الثغرات. لذلك يدعو بارك إلى مشروع تربوي وثقافي طويل الأمد يرسّخ التفكير النقدي ومهارات التمييز بين الدليل العلمي والادّعاء غير المبرهَن، ويرى في ذلك شرطًا لحماية المجال العام من تغوّل pseudoscience ولضمان أن يظلّ العلم مرجعًا أساسيًّا في صناعة القرار. بهذا المعنى، يمكن قراءة الكتاب بأكمله كبيان دفاعي عن العقلانية العلمية في مواجهة “عودة السحر” بأشكال جديدة داخل المجتمعات الحديثة.

شارك هذا الكتاب مع أصدقائك

كتب من نفس التصنيف
مقالات ذات صلة

اشترك للحصول على الكتب الحصرية